أبو نصر الفارابي
118
كتاب السياسة المدنية
حصل لهم من ذلك بالمدافعة والقهر يحتاجون من أبدانهم إلى شدة وقوة ومن أخلاقهم إلى قساوة وجفاء وغلظة واستهانة بالموت ، وأن لا يرى أن يحيا دون نيل ما يهمه ، وإلى صناعة استعمال السلاح وجودة رويّة فيما يقهر به غيره ، فهذا يعم جميعهم . وأما صاحب التمتع باللذات فيعرض له مع هذه شره ومحبة للمأكول والمشروب والمنكوح . فمن هؤلاء من يغلب عليه اللين والترفه فتنفسخ قوته الغضبية حتى لا يوجد فيه منها شيء أصلا أو مقدار يسير . ومنهم من يستولي عليه الغضب وآلاته النفسانية والبدنية والشهوة وآلاتها النفسانية والبدنية مما يقويها ويزيد فيها ويتأتى بها أن تفعل أفعالها . وتكون رويّته مصروفة إلى أفعال هذين ، ونفسه ذليلة لهذين على السواء . ومن هؤلاء من يكون أقصى مقصوده أفعال الشهوة فيجعل قواه وأفعاله الغضبية آلات يصل بها إلى أفعال الشهوة ، فيجعل الأرفع من قواه والأعلى فالأعلى منها خادما لما هو أخس . وذلك أنه يجعل قوته الناطقة خادمة للغضبية والشهوانية ، ثم قواه الغضبية خادمة لقوته الشهوانية « 1 » . وإنما يصرف رويته إلى استنباط ما تتم به أفعال الغضب وأفعال الشهوة ، ويصرف أفعال قواه الغضبية وآلاتها فيما ينال به اللذة التي يستمتع من المأكول والمشروب والمنكوح وسائر الأشياء التي يغلب بها ويحفظها على نفسه ، مثل ما يرى ذلك في أشراف أهل
--> ( 1 ) يشير الفارابي إلى أن الانصراف إلى الملذات والرفاهية يضعف من النزعة الغضبية والشدة والميل إلى المغالبة . وهذا ما ركز عليه ابن خلدون .